مقايضة النفط بالسلع.. آلية سرية تمنح إيران شرياناً مالياً عبر الصين -- Sep 10 , 2026 147
كشفت مصادر إيرانية رفيعة وأشخاص مطلعون على الأمر أن إيران لجأت إلى آلية تجارية تشبه المقايضة للالتفاف على العقوبات المفروضة على صادراتها النفطية، وتمكنت من خلالها من شراء سلع صينية بمليارات الدولارات، بينها معدات عسكرية.
وقالت خمسة مصادر، بينها مصدران إيرانيان كبيران، لـ«رويترز» إن الآلية السرية تتيح لطهران مبادلة النفط الإيراني بأرصدة مخصصة لتمويل واردات من الصين، ما وفر لها خلال السنوات الماضية شرياناً مالياً في وقت كثفت فيه الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية والعسكرية بسبب برنامجها النووي.
وفي المقابل، مكّنت الآلية الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، من مواصلة شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة، مع الحد من تعرض البنوك والشركات الصينية المصدرة للسلع إلى إيران للتدقيق الدولي أو العقوبات.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على كيانات صينية أصغر حجماً بسبب شراء النفط الإيراني أو المساعدة في نقله، لكنها امتنعت عن اتخاذ إجراءات أشد يمكن أن تترك تداعيات على الاقتصاد العالمي.
وصعّدت واشنطن ضغوطها في إطار مساعيها لإنهاء الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد حذر في أغسطس الدول التي تواصل علاقاتها التجارية مع طهران من احتمال استبعادها من النظام المالي القائم على الدولار.
وتنتقد الصين وإيران باستمرار ما تصفانه بالعقوبات الغربية الأحادية وغير القانونية، وتتعهدان بحماية مصالحهما. وترتبط الدولتان بشراكة اقتصادية وسياسية تمتد لسنوات، إلا أن تفاصيل استمرار التبادل التجاري بينهما رغم القيود الدولية ظلت إلى حد كبير بعيدة عن العلن.
وأفادت المصادر بأن إيران استخدمت الآلية لشراء أدوية ومركبات ومعدات اتصالات من الصين، فيما لم تتعامل الشركات المصنعة مباشرة مع إيران، ولا توجد مؤشرات إلى ارتكابها مخالفات للعقوبات.
كما قالت المصادر إن الآلية استُخدمت مرة واحدة على الأقل خلال العام الماضي في عقود لتزويد إيران بمعدات للدفاع الجوي بملايين الدولارات، من دون تقديم تفاصيل عن الشركات الصينية التي شاركت في تلك المعاملات. ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل من حدوث هذه الصفقات.
وفي سبتمبر 2025، أعيد فرض حظر أممي على تصدير معظم الأسلحة التقليدية الرئيسية إلى إيران، إلى جانب عقوبات أخرى، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، وتوقف طهران لاحقاً عن الالتزام ببعض بنوده.
وقالت إيران والصين إن قرار الدول الأوروبية إعادة فرض العقوبات تلقائياً من خلال آلية «إعادة فرض العقوبات» معيب قانونياً وإجرائياً.
ورداً على أسئلة بشأن آلية المقايضة، قالت وزارة الخارجية الصينية إنها ليست «على دراية بالوضع الذي تتحدثون عنه»، مضيفة أن بكين لطالما عارضت العقوبات الأحادية التي لا تستند إلى القانون الدولي ولا تحظى بتفويض من مجلس الأمن.
ولم ترد بعثتا إيران لدى الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف على طلبات التعليق، فيما قال مسؤول أميركي، رداً على أسئلة وُجهت إلى البيت الأبيض، إن إدارة ترامب تعمل مع شركاء اقتصاديين، بينهم الاتحاد الأوروبي، «لحرمان إيران من الموارد المادية اللازمة للمضي في طموحاتها النووية». ولم يعلق المسؤول على الآلية التي كشفت عنها المصادر.
تجنب القنوات المصرفية الدولية
أدت العقوبات الأميركية المفروضة على إيران على مدى عقود إلى تقليص عدد المشترين لنفطها، فيما أصبحت الصين المشتري الرئيسي. واستحوذت بكين على أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المنقول بحراً خلال عام 2025، بمتوسط بلغ 1.4 مليون برميل يومياً، وفق بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في بيانات السلع الأولية وتحليلها.
وفي عام 2021، وقعت إيران والصين اتفاق شراكة استراتيجية لمدة 25 عاماً يشمل قطاعات عدة، بينها الطاقة والبنية التحتية، لكن تفاصيل الاتفاق المعلنة لا تزال محدودة.
وقالت ثلاثة مصادر إن الآلية التي تحدثت عنها «رويترز» تمثل إحدى الوسائل التي تستخدمها إيران لشراء السلع والخدمات من الصين من دون تحويل المدفوعات إلى الشركات الصينية مباشرة عبر القنوات المصرفية الدولية.
وبحسب مسؤول غربي وشخصين آخرين مطلعين على الأمر، كان مشترٍ يعمل لحساب شركة «تشوهاي تشنرونغ» الصينية الحكومية لتجارة النفط يودع، حتى هذا العام على الأقل، مئات الملايين من الدولارات شهرياً لدى كيان مالي صيني غير معروف على نطاق واسع يُعرف باسم «تشوشين».
وقالت المصادر، استناداً إلى معلومات جمعتها أجهزة استخبارات، إن هذه الودائع كانت تغطي مشتريات جرى الاتفاق عليها مع شركة مسجلة في هونغ كونغ ومرتبطة بشركة النفط الوطنية الإيرانية.
وأضافت أن كيان «تشوشين» كان يحول الأموال لاحقاً إلى شركات تصدير صينية وشركات تنفذ مشروعات للبنية التحتية في إيران، على الأرجح عبر مؤسسات مالية صينية أخرى.
وذكرت ثلاثة مصادر أن نحو 70 في المئة من عائدات النفط الإيراني التي يتعامل معها «تشوشين» تُخصص لمشروعات البنية التحتية، في ترتيب كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد كشفت تفاصيله للمرة الأولى في أكتوبر الماضي. أما النسبة المتبقية فتُودع في حسابات تابعة لكيان ذي غرض خاص، وتُستخدم لسداد مستحقات الشركات التي تزود إيران بالسلع.
وأكد المصدران الإيرانيان المقربان من دوائر صنع القرار وجود هذا الكيان، الذي لم يكن قد كُشف عنه سابقاً.
وقالت المصادر الخمسة إن الأموال المودعة لدى الكيان ذي الغرض الخاص تُدار من خلال جهتين، إحداهما شركة تعمل نيابة عن وزارة التجارة الصينية، والأخرى مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني.
وأضافت ثلاثة مصادر أن الشركة المرتبطة بإيران تُبلغ الجهة الصينية عندما يوافق البنك المركزي الإيراني على إتاحة أموال من الكيان للمستوردين، بما يسمح بتحويل المدفوعات إلى الموردين.
ولم تتمكن «رويترز» من العثور على أي معلومات تشير إلى وجود مؤسسة مالية تحمل اسم «تشوشين» في سجلات الشركات الصينية، كما لم تعثر على معلومات بشأن الشركتين اللتين قيل إنهما تعملان نيابة عن وزارة التجارة الصينية والبنك المركزي الإيراني. وقال أحد المصادر إن «تشوشين» قد يكون مجرد اسم يظهر في السجلات المالية.
وتُظهر سجلات الشركات في هونغ كونغ وجود شركات تحمل الأسماء نفسها التي قيل إنها تعمل نيابة عن شركة النفط الوطنية الإيرانية و«تشوهاي تشنرونغ»، إلا أن «رويترز» لم تتمكن من العثور على معلومات متاحة للجمهور بشأن هيكل ملكيتها أو نشاطها التجاري.
هامش للإنكار
كانت «تشوهاي تشنرونغ» قد استهدفت بعقوبات أميركية بسبب تعاملاتها المزعومة مع إيران. وشارك أحد المصادر ما بدا أنه خطاب مؤرخ في 22 يوليو 2025، صادر عن شركة النفط الوطنية الإيرانية وموجه إلى شركة تجارة النفط الصينية، يطلب تأكيد رصيد مستحق. وقال المصدر إن الوثيقة تمثل دليلاً على وجود علاقة تجارية بين الطرفين.
وقالت ثلاثة مصادر إن الآلية قائمة منذ عام 2021 على الأقل، وإن استخدامها بدأ لتوفير الأدوية واللقاحات المضادة لفيروس كورونا لإيران.
وأضافت أن أهميتها ازدادت مع تشديد واشنطن الضغوط على الشركات التي تتعامل تجارياً مع طهران، وقدرت أن ما بين ملياري دولار و2.5 مليار دولار مرّ عبر الكيان ذي الغرض الخاص خلال العام الماضي.
وقال أندريا جيسيلي، المحاضر في السياسة الدولية بجامعة إكستر والمتخصص في دراسة العلاقات الصينية مع الشرق الأوسط، إن بكين تستخدم ترتيبات من هذا النوع لمواجهة الضغوط الأميركية وإظهار أنها لا ترضخ للتهديد بفرض عقوبات ثانوية.
لكنه أوضح أن القيادة الصينية لا تريد في الوقت نفسه تعريض بنوكها أو شركاتها لخطر الاستبعاد من النظام المالي الدولي، مضيفاً أن الهدف هو الإبقاء على هامش يسمح لها بإمكانية إنكار هذه الترتيبات.